top of page
Asset 1_edited.png

WELCOM IN CELLO BLOG

سقوط أم ولادة

باسل بني . ألمانيا

05.12.2024


تشكل الساحة السورية اليوم مشهداً معقداً يتجاوز كونه صراعاً داخلياً أو إقليمياً إلى كونه مرآة تعكس التوازنات الدولية المتغيرة والتفاهمات التي قد تعيد تشكيل المنطقة لما بعد 20 فبراير 2025. يأتي هذا التحليل كمحاولة لقراءة واقع الشارع السوري، بما يحمله من تحديات وتغيرات، واستشراف تداعيات ذلك على مستقبل البلاد في الأمدين القريب والبعيد.


الهدوء العسكري النسبي: معوقات وتحديات

منذ حوالي سبع سنوات، ومع تراجع التصعيد العسكري المباشر في سوريا، أُبرم اتفاق أستانا بين القوى الدولية الكبرى المؤثرة في الصراع السوري، وهي: روسيا، تركيا، إيران، والولايات المتحدة. ركز الاتفاق على نقاط أساسية، أبرزها القضاء على التنظيمات الإرهابية مثل داعش والنصرة، وتحييد الجماعات المسلحة المعارضة إلى نطاق جغرافي محدود في محافظة إدلب وريفها. لكن على الرغم من هذا الإطار الزمني الممتد، ظل النظام السوري غير قادر على الاستفادة من تلك التهدئة لتحقيق الاستقرار المطلوب.

بقي النظام السوري بعيدًا عن تفعيل عملية سياسية حقيقية تضمن وحدة البلاد. فلم يتمكن من تحقيق إصلاحات إدارية أو اقتصادية جادة، بينما استمر المواطنون في معاناتهم من أزمات متفاقمة. انعدمت الخدمات الأساسية كالكهرباء والمياه والتدفئة، رغم عودة بعض الدول العربية للتطبيع مع النظام وتقديم دعم محدود. يعزى جزء من هذا الجمود إلى غياب الإرادة السياسية لدى النظام، إضافةً إلى اعتماده سياسة الالتفاف على المطالب الدولية والإقليمية بإصلاحات ملموسة، مكتفيًا بتبرير الفشل بالعقوبات الاقتصادية، خاصة قانون قيصر.


الشعب بين المطرقة والسندان

أفرزت السياسات المنهجية للنظام وضعًا اقتصاديًا واجتماعيًا مزريًا، حيث بات دخل الفرد لا يغطي سوى 5% من احتياجاته الشهرية، في وقتٍ تعاني فيه الجغرافيا السورية من غياب شبه كامل للخدمات العامة. أضف إلى ذلك انتشار الفوضى الأمنية، حيث تُهيمن جماعات مسلحة على مناطق واسعة، تمارس أعمال النهب والسرقة والخطف، وسط تهالك المؤسسات الحكومية. أصبحت هذه الأوضاع، في نظر كثير من السوريين، أدوات ضغط ممنهجة استُخدمت ضد الشعب.

على النقيض، قدمت المناطق الخاضعة لسيطرة المعارضة تجربة مختلفة، وإن لم تكن مثالية. المواطنون في تلك المناطق كانوا أفضل حالاً من حيث توافر الخدمات الأساسية والظروف المعيشية. سياسياً وعسكرياً، نجحت المعارضة في إعادة تشكيل نفسها عبر تبني نهج مؤسسي نسبيًا، يتسم بمحاولة بناء هياكل إدارية وشبه حكومية تمهد لخلق نظام إداري بديل.


النهج الجديد للمعارضة: بين التوجس والإصلاح

مع دخول المعارضة إلى مناطق جديدة مثل حلب بمشاركة فصائلها المختلفة، بما في ذلك هيئة تحرير الشام المصنفة إرهابياً، برزت تغيرات في طريقة تعاطي المعارضة مع الواقع الميداني والسياسي. في البداية، كان التوجس والخوف سيد الموقف لدى السكان المحليين، نظرًا لسمعة الفصائل المتشددة التي ظلت لسنوات تحمل طابعًا دينيًا صارمًا. إلا أن هذا التوجس بدأ يتراجع تدريجيًا مع وضوح النهج الجديد الذي اتبعته المعارضة.


نهج مؤسساتي ومدني

يتسم النهج الجديد بتركيز أكبر على بناء هياكل مؤسساتية لإدارة المناطق المدنية والخدمية، مع الحرص على تقديم صورة أكثر اعتدالاً ومرونة. تعمل المعارضة اليوم على تقليل المظاهر العسكرية في المناطق المدنية، وتعزيز حضور الإدارة المحلية بما يخدم تطلعات السكان اليومية. شملت هذه الجهود تحسين الخدمات الأساسية، وتنظيم الأسواق المحلية، وضمان توفير الحاجات الضرورية كالكهرباء والمياه، ما خلق ارتياحاً مؤقتاً لدى العديد من السكان.

سياسيًا، عملت المعارضة على إعادة صياغة خطابها العام من خلال تبني شعارات وطنية وحدوية تدعو إلى الحرية والمدنية، بعيداً عن الشعارات الدينية التي كان لها أثر سلبي في السابق على توحيد الشارع السوري. يمثل هذا التحول محاولة لتوسيع قاعدتها الشعبية وتخفيف حدة الانقسامات التي عززتها توجهاتها السابقة.


الارتياح المؤقت مقابل التساؤلات المشروعة

على الرغم من هذه الجهود، لا تزال المخاوف قائمة. يتساءل السكان عما إذا كانت هذه السياسات تعكس تحولاً حقيقياً ومستداماً أم أنها تكتيك مؤقت لجذب الدعم المحلي والدولي. التحدي الأكبر أمام المعارضة يتمثل في قدرتها على مواصلة إدارة هذه المناطق بفعالية، وضمان ألا تعود التوجهات المتشددة إلى الواجهة، خاصة مع استمرار وجود هيئة تحرير الشام في المشهد.


العملية العسكرية الأخيرة: إعادة تشكيل المشهد

في الأيام الأخيرة، شهدت الساحة السورية عملية عسكرية شنتها المعارضة بالتنسيق مع هيئة تحرير الشام، المصنفة إرهابيًا على المستوى الدولي. رغم أن هذه العملية كانت متوقعة بعد تحضيرات استمرت شهوراً، إلا أنها حملت عنصر المباغتة من حيث النتائج، حيث استطاعت المعارضة قلب المعادلة العسكرية والجيوسياسية في مناطق حيوية.

أعادت هذه التطورات فتح باب التساؤلات حول طبيعة المعارضة السورية ومستقبلها. فمن جهة، تسعى المعارضة اليوم إلى تقديم نفسها كمشروع وطني جامع يتبنى شعارات مدنية ووحدوية، متخلية عن الخطاب الديني المتشدد الذي كان يُنظر إليه سابقًا كمصدر للانقسام. لكن من جهة أخرى، لا تزال المعارضة بحاجة لإثبات قدرتها على إدارة المناطق التي دخلتها حديثًا، مثل حلب، بطريقة تعزز ثقة السكان بها، وتدفع باتجاه حل سياسي شامل.


هيئة تحرير الشام: التحولات الاستراتيجية ومستقبل التصنيف الإرهابي

تلعب هيئة تحرير الشام دورًا محوريًا في التحولات الأخيرة، خاصة بعد إعلان قائدها استعداده لحل الهيئة إذا كان ذلك يخدم المصلحة الوطنية. هذه الخطوة، رغم أهميتها، لم تلق قبولاً دوليًا بعد، حيث لا تزال الهيئة على قوائم الإرهاب. يبقى السؤال عالقًا حول ما إذا كان التحول في نهجها كافيًا لرفع هذه الصفة عنها مستقبلاً.


مستقبل سوريا: أسئلة عالقة وتحديات دولية

مع اقتراب عام 2025، تطرح العديد من الأسئلة الحاسمة حول مستقبل سوريا:

  • الوحدة الوطنية أو التقسيم؟: هل ستكون التفاهمات الدولية المقبلة دافعاً للحفاظ على وحدة سوريا أم أن السيناريو الأسوأ، أي التقسيم، سيصبح واقعًا؟

  • المعارضة ودورها المستقبلي: هل ستتمكن المعارضة من إدارة المدن الكبرى مثل حلب وحماه بفعالية؟ وهل ستكتسب دعماً دولياً يسمح لها بالمشاركة في عملية تفاوضية حقيقية؟

  • التغير في نهج القوى الكبرى: كيف ستؤثر التفاهمات الدولية الجديدة على توزيع النفوذ في سوريا؟ وهل سيكون هناك تحرك جاد نحو تخفيف التصعيد في الشرق الأوسط عبر تحقيق استقرار طويل الأمد في سوريا؟


ختامًا

ما زال الشعب السوري، بين مناطق النظام والمعارضة، يعيش تحت وطأة الأزمات المستمرة. بينما تظل الإجابات على الأسئلة الجوهرية معقدة ومؤجلة، يترقب السوريون أي بصيص أمل قد ينشأ من التحولات المقبلة، سواء على المستوى الدولي أو الداخلي. وحتى يتضح مسار الأحداث، يبقى المستقبل السوري مفتوحًا على كافة الاحتمالات، في ظل معادلة دولية وإقليمية شديدة التعقيد.

 
 
 

Comments


Address

Fasanenallee 8 

66740 Saarlouis

Germany

Phone

+49 17672294023

Email

Connect

  • Instagram
  • Facebook
  • Youtube
  • LinkedIn

COPYRIGHT  2019 - 2024 // © BASEL BUNNI - FILM - PHOTO PRODUCTION //WEB DESIGN BY BASEL BUNNI 

bottom of page